الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
299
نفحات الولاية
القدرة الكافية على تناول العلم في أي سن وعمر وينسجم هذا الاحتمال والعبارة القادمة ، لأنّ الإنسان كلما تقدم به العمر ازدادت مشاكله وهمومه ، كما يقل استعداده - كما يمكن الجمع بين الاحتمالين . ثم أشار إلى الوظيفة الثانية والثالثة للُامّة بالقول : « وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه ، فانّما أمرتم بالنهي بعد التناهي » . وعليه فوظيفة الناس أولًا : ان يرفع من مستواه العلمي ويزيد من معارفه ، لأنّ الجهل من عوامل التخلف . وثانياً : الجد في امتثال أوامر الله وعدم نسيان وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تعد وظيفة عامة . والحق أنّ السعادة ستعم الامّة لو عملت بوظائفها ونهض أئمة المسلمين بوظائفهم . وقد برز سؤال بين شرّاح نهج البلاغة - وهو السؤال الذي يتبادر إلى ذهن كل متتبع - وهو ؛ كيف اشترط الإمام عليه السلام النهي عن المنكر بانتهاء ، الشخص عنه فقال : « فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي » ؟ رد ابن أبي الحديد على هذا السؤال بالقول : لم يرد عليه السلام أنّ وجود النهي عن المنكر مشروط بانتهاء ذلك الناهي عن المنكر ، وإنّما أراد : أني لم آمركم بالنهي عن المنكر إلّا بعد أن أمرتكم بالانتهاء عن المنكر . « 1 » بينما اعتبر الشارح الخوئي هذا الرد تكلفاً وقال : الأفضل أن يقال للسائل : أنّه عليه السلام أوجب الأمرين ( دون اشتراط أحدهما بالآخر ) والعبارة الأخيرة إشارة إلى الانتهاء عن المنكرات التي أكدت أكثر عن وجوب النهي عن المنكر . لانّ اصلاح النفس مقدم على اصلاح الآخرين . « 2 » إلّا أنّ الأفضل أن يقال : إنّ الانتهاء عن المنكر لشرط كمال النهي عنه ، لا شرط وجوبه ، لأنّ الإنسان حين يرتكب الذنب ويريد نهي الآخرين عنه ، سوف لن يكون لكلامه من تأثير ، ولو علم الناس منه ذلك لسخروا منه وقالوا : « طبيب يعالج الناس وهو عليل » .
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 170 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة للمرحوم الخوئي 7 / 251 .